أثار تصاعد القيود المفروضة على وسائل الإعلام المستقلة في مصر تساؤلات بشأن مدى جدية تعهد رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي بمغادرة السلطة مع انتهاء ولايته في عام 2030، في ظل ملاحقات قضائية تطال صحفيين ومؤسسات إعلامية، وتوجهات تثير مخاوف بشأن مستقبل التعددية السياسية وحرية التعبير.
وبحسب تقرير نشره موقع نون بوست، تتعارض الإجراءات التي تتخذها السلطات المصرية لتشديد قبضتها على المجال العام مع التصريحات المتكررة للسيسي بشأن احترام الدستور ورفض تعديل أحكامه لتمديد بقائه في الحكم، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن حقيقة الترتيبات السياسية الجارية للمرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستفضي إلى انتقال فعلي للسلطة أم إلى استمرار النهج الحالي بوسائل أخرى.
تعهدات السيسي بمغادرة السلطة تصطدم بتصاعد التضييق على الإعلام
في 14 أكتوبر 2026، فاجأ رئيس الانقلاب المصري عبد الفتاح السيسي الأوساط السياسية بتصريحات أدلى بها خلال ندوة تثقيفية للقوات المسلحة، أُقيمت بمناسبة الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر، رفض خلالها الدعوات المطالبة بتعديل الدستور لتمديد ولايته الرئاسية، مؤكدًا رفضه القاطع المساس بأحكامه، قائلًا: «هناك دستور لهذه الدولة، دستور وافقنا عليه لهذه الدولة، ولن يمسه أحد.. لن يمسه أحد».
وبعد ثلاثة أيام، جدّد السيسي تأكيد موقفه، مشيرًا إلى أن ولايته الرئاسية ستنتهي في عام 2030، ومشددًا مرة أخرى على أن الدستور المصري «لن يمسه أحد». ووصف المسألة بأنها «محسومة»، في رسالة بدت محاولة مبكرة لإنهاء الجدل بشأن إجراء تعديل دستوري جديد يسمح له بالبقاء في السلطة.
ولم يقتصر موقف السيسي على رفض تمديد ولايته، بل رفض أيضًا التلميحات إلى أن امتناعه عن تعديل الدستور قد يمهّد الطريق لتولي أحد أبنائه أو أحد أفراد أسرته السلطة من بعده، قائلًا: «لا ينبغي لأحد أن يتشدق بأنه يُعدّ أحد أقاربه أو أفراد أسرته.. فالدولة أكبر من هذا الكلام».
وبعثت هذه التصريحات، التي بدت حاسمة، رسائل طمأنة إلى بعض المصريين الذين يأملون في انتقال السلطة وإنهاء الجدل المتكرر بشأن بقاء الرئيس في منصبه بعد عام 2030. كما عزز تكرار السيسي هذه التأكيدات خلال فترة زمنية قصيرة وضوح الرسالة السياسية التي أراد إيصالها.
غير أن تطورات المشهد المصري قبل هذه التصريحات وبعدها أثارت تساؤلات سياسية جديدة؛ إذ تتعارض الإجراءات والقرارات المتخذة، إلى جانب القيود المنهجية المفروضة على المجال العام، شكلًا ومضمونًا مع المسار المتوقع من رئيس يقول إنه يعتزم مغادرة السلطة خلال أقل من أربع سنوات.
وهنا يبرز سؤال أكثر إلحاحًا: هل تعكس هذه التطورات رغبة حقيقية لدى السيسي في مغادرة المشهد السياسي، هو وأبناؤه، وفقًا لما أعلنه صراحة؟ أم أن الأحداث تسير في الاتجاه المعاكس، بما يعيد إحياء المخاوف من ترتيبات تضمن استمرار شكل السلطة القائم، أو حتى تفتح الباب مجددًا أمام احتمال تمديد الولاية، وهو ما اعتقد البعض أنه أصبح من الماضي؟
من «متصدقش» إلى «مدى مصر».. مؤشرات تسير عكس الانفتاح الموعود
في 20 أغسطس 2026، أعلن وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان مقترحًا لعقد لقاء سنوي في ديسمبر من كل عام لمناقشة أوضاع الحريات الصحفية والإعلامية في مصر. وخلال جلسة وصفها بأنها «تنفيس ضروري»، قال رشوان إن المقترح يأتي استجابة لتوجيهات رئاسية تستهدف إتاحة مساحة أوسع لتعدد الآراء والنقاش والاختلاف. وبدا آنذاك أن هذه الخطوة قد تمهد لمرحلة جديدة من الانفتاح الإعلامي.
وبعد نحو شهر، عقد رشوان اجتماعًا مع رؤساء تحرير عدد من المواقع الإلكترونية المرخصة، اقترح خلاله إنشاء «كيان موحد» تنضم إليه هذه المواقع بصفتها مؤسسات، بما يوفر إطارًا مهنيًا وقانونيًا لحماية الصحفيين العاملين في الإعلام الرقمي. ورحبت بعض الأوساط الحقوقية والإعلامية بالمقترح، باعتباره خطوة محتملة لتعزيز الحماية المؤسسية للصحافة الإلكترونية وتخفيف الضغوط الواقعة على العاملين فيها.
لكن مؤشرات الانفراج سرعان ما اصطدمت بالواقع في 28 سبتمبر، عندما استيقظ المصريون على أنباء القبض على فريق التحرير المكوّن من ستة أشخاص بمنصة «متصدقش» واحتجازهم. وأثارت الاتهامات الموجهة إليهم اعتراضات حقوقية، بينما اعتبر منتقدون القضية حلقة جديدة في سلسلة الملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين المستقلين. وكانت المنصة تعمل علنًا منذ عام 2018، وعلى مرأى من السلطات المختصة طوال تلك الفترة، ما أعاد الشكوك بشأن مدى التزام السلطات بالانفتاح الإعلامي والسياسي.
ومع ذلك، بدا أن تصريحات السيسي اللاحقة، التي رفض خلالها تعديل الدستور وشدد على أن «لا أحد سيمسه»، إلى جانب نفيه الاستعداد لتولي أحد أبنائه أو المقربين منه السلطة، قد حملت إشارات إيجابية لدى كثيرين بشأن مستقبل المجال العام واحتمالات تغيير أسلوب إدارة الحياة السياسية. وعززت هذه التصريحات، بالتزامن مع المقترحات الإعلامية السابقة، الآمال في أن تتجه البلاد نحو انفتاح أكبر بعد سنوات من القيود والضغوط.
لكن هذه الأجواء لم تدم طويلًا. فقبل أن يستوعب الرأي العام تداعيات قضية «متصدقش»، ظهرت تطورات أكثر قتامة. ففي 19 أكتوبر، تلقت لينا عطا الله، رئيسة تحرير موقع «مدى مصر»، استدعاءً للمثول أمام نيابة أمن الدولة العليا في القضية رقم 9072 لسنة 2026، من دون إعلان أسباب الاستدعاء آنذاك.
ومثلت عطا الله أمام جهات التحقيق في 21 أكتوبر، وخضعت للاستجواب نحو ست ساعات، قبل إخلاء سبيلها بكفالة قدرها 100 ألف جنيه مصري. لكنها فوجئت في اليوم التالي بإحالتها إلى المحاكمة بتهمة إنشاء موقع إلكتروني وإدارته وتشغيله من دون ترخيص، وحددت المحكمة جلسة 27 أكتوبر لنظر القضية.
وجاءت المفاجأة الأكبر خلال المحاكمة، إذ حضر حسام بهجت، المدير التنفيذي للمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، الجلسة، وأشار إلى سلسلة من المخالفات الإجرائية التي قال إنها تمس ضمانات المحاكمة العادلة ونزاهة الإجراءات القضائية.
وقضت المحكمة بتغريم عطا الله ثلاثة ملايين جنيه مصري، وأمرت بإغلاق موقع «مدى مصر» ومصادرة محتوياته. كما اكتشفت عطا الله، على نحو مفاجئ، صدور حكم غيابي بحقها في عام 2024 بالسجن لمدة عام، على خلفية اتهامها بنشر أخبار كاذبة.
وربما كان أكثر جوانب القضية إثارة للجدل سرعة الفصل فيها؛ إذ لم تمر سوى عشرة أيام على الأكثر بين استدعاء عطا الله للتحقيق وصدور الحكم. وأبدى محامون حضروا معها مخاوف بشأن سير المحاكمة، شملت منع أعضاء من نقابة الصحفيين من حضور الجلسة بصفتهم القانونية، وتوقيع الحد الأقصى للعقوبة المنصوص عليها في القانون، من دون الاستجابة إلى طلبات الدفاع تأجيل نظر القضية للاطلاع على ملفها.
وزادت الشكوك بعدما قدم الموقع مستندات تثبت تقدمه بطلب مستقل للحصول على ترخيص لتأسيس المؤسسة منذ عام 2018، ظل معلقًا أمام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام. ودفع ذلك الموقع إلى اللجوء للقضاء الإداري، الذي رفض بدوره منحه الترخيص وأيد موقف المجلس، استنادًا إلى عدم اكتمال الأوراق المطلوبة. وتثير هذه الصرامة في التعامل مع طلب الترخيص مجالًا واسعًا للتساؤل والاشتباه في تعمد عرقلة عمل المؤسسة.
الإعلام تحت الحصار.. هيمنة واسعة وملاحقات مستمرة
عندما يعلن رئيس عزمه مغادرة منصبه خلال أقل من أربع سنوات، ويرحب بعض المواطنين بتصريحه باعتباره تأكيدًا لاحترام الدستور وقواعد تداول السلطة، فمن الطبيعي أن تتزايد التوقعات بشأن اتساع هامش الانفتاح السياسي والإعلامي، وأن ترتفع الآمال في تعزيز حرية الرأي والتعبير.
لكن استمرار إحكام السيطرة على المجال العام وممارسة الضغوط على الأصوات المستقلة يتعارضان جوهريًا مع المسار المتوقع من رئيس يؤكد عزمه مغادرة السلطة في الموعد الدستوري المحدد. ويطرح ذلك سؤالًا آخر: ما الذي يدفع السلطات إلى مواصلة تشديد قبضتها على الإعلام، رغم الحديث عن انتقال رئاسي للسلطة في عام 2030؟
ويرى ممدوح الولي، نقيب الصحفيين السابق، أن السلطات المصرية باتت لا تتسامح حتى مع أضعف الأصوات المعارضة المتبقية، على الرغم مما يصفه بالآلة الإعلامية الضخمة التي تهيمن على جانب كبير من المشهد الإعلامي، عبر مؤسسات وشركات وهيئات تخضع لإشراف الدولة أو ترتبط بها.
ويوضح الولي أن هذه المنظومة تقودها شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، التي تضم 17 قناة فضائية و12 موقعًا إخباريًا وصحيفة وسبع محطات إذاعية. وتشمل المنظومة أيضًا الهيئة الوطنية للإعلام، التي تمتلك 15 قناة فضائية وعشر شبكات إذاعية تضم عددًا أكبر من المحطات، إلى جانب الهيئة الوطنية للصحافة، التي تشرف على ثماني مؤسسات صحفية تضم أكثر من 50 صحيفة ومجلة وموقعًا إلكترونيًا ومحطة إذاعية عبر الإنترنت.
وبحسب تقييم الولي، لا تقتصر هذه الهيمنة على المؤسسات الإعلامية المملوكة للدولة أو المرتبطة بها، بل تمتد إلى التأثير في المحتوى التحريري لأجزاء من الإعلام الخاص، بما يشمل الصحف والمواقع الإلكترونية. ويشير كذلك إلى دور بعض المنصات الإعلامية الخليجية، من قنوات فضائية وصحف ومواقع إخبارية، في دعم الرواية الرسمية المصرية وتعزيز حضورها في المجال العام.
وفي المقابل، يلفت الولي إلى استمرار الإجراءات المتخذة ضد ما تبقى من الإعلام المستقل، بدءًا من حجب المواقع الإلكترونية، وهو ما طال مئات المواقع منذ عام 2017، مرورًا بالملاحقات الأمنية والقضائية والسجن، وصولًا إلى إغلاق المؤسسات الصحفية. ويرى أن هذه الممارسات تندرج ضمن سياسة تستهدف الحد من المعارضة وتوجيه تحذير إلى كل من يحاول الخروج عن الخطاب الإعلامي السائد.
ويحدد نقيب الصحفيين السابق مفارقة يراها كاشفة لطبيعة المشهد؛ فعلى الرغم من ضخامة المنظومة الإعلامية الموالية للحكومة وما تمتلكه من موارد مالية وتقنية وبشرية هائلة، فإنها لا تزال شديدة الحساسية تجاه وجود عدد محدود من المواقع المستقلة.
وتعيد هذه المفارقة طرح التساؤلات بشأن المرحلة السياسية المقبلة. فإذا كانت السلطات تمتلك هذا الحضور الإعلامي الواسع، فلماذا يستمر الجدل بشأن القيود المفروضة على عدد قليل من المنصات المستقلة محدودة الموارد، بينما تتحدث الرئاسة عن احترام الدستور وانتهاء الولاية الحالية في عام 2030؟
الوصاية على الشعب.. هل يملك المواطنون وحدهم حق اختيار الرئيس؟
أثارت بعض مقترحات السيسي صعوبة في تفسير تصريحاته بشأن مغادرة الحياة السياسية مع نهاية ولايته الحالية. فقد تناولت هذه المقترحات آليات اختيار المرشحين للرئاسة، ومدى الدور الذي يمكن أن يؤديه الجيش في تحديد من يستوفي شروط قيادة الدولة خلال المرحلة المقبلة، ما أثار تساؤلات بشأن مدى اتساق هذه الأفكار مع حرية الترشح وحق المواطنين في اختيار رئيسهم وفقًا للقواعد الدستورية والقانونية.
ويتضح الإشكال بصورة خاصة في تصريحات السيسي بشأن ضرورة التحاق المرشحين المحتملين للرئاسة بالأكاديمية العسكرية لمدة تصل إلى 30 شهرًا، على أن تتولى الأكاديمية تقييم مدى صلاحيتهم للمنصب قبل طرح أسماء من يجتازون التقييم أمام المواطنين للاختيار من بينهم. ويطرح هذا التصور تساؤلات جدية بشأن مدى توافقه مع الدستور.
وذهب السيسي إلى أبعد من ذلك، إذ قال في التصريحات نفسها إنه لا يقبل أن يتولى المسؤولية شخص لمجرد قدرته على تنسيق الكلمات أو التحدث وإلقاء الخطب بصورة جيدة، مؤكدًا أن ذلك لن يحدث. وفسر منتقدون هذه التصريحات باعتبارها إشارة إلى احتمال إخضاع المرشحين لمعايير إضافية تتجاوز الشروط الدستورية والقانونية القائمة، بما قد يمهد لترتيبات مختلفة لاختيار القيادة السياسية المقبلة.
وتبرز هنا القضية الأكثر حساسية؛ فوفقًا للنظام الدستوري القائم، يفترض أن يخضع حق الترشح للرئاسة لشروط قانونية واضحة ومعلنة، بينما يظل الاختيار السياسي النهائي حقًا أصيلًا للمواطنين عبر صناديق الاقتراع. أما فرض تقييم مسبق إلزامي من مؤسسة غير منتخبة، فيثير تساؤلات بشأن حدود سلطات المؤسسات، وتكافؤ الفرص بين المرشحين، والدور المتبقي للناخبين في تحديد من يتولى الحكم.
وتزداد هذه التساؤلات تعقيدًا مع استمرار أصوات تطالب بمراجعة القيود الدستورية المفروضة على مدة الرئاسة. ويستند أصحاب هذا الطرح إلى أن الدستور ليس نصًا مقدسًا، وأن تعديله يظل ممكنًا إذا أراد الشعب ذلك. ويتقاطع هذا الطرح مع تلميحات السيسي إلى ضرورة الاستجابة لرغبات المواطنين، على الرغم من تأكيده المتكرر رفض أي تغيير في الدستور، وهو ما يترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات متعددة.
وفي ضوء هذه التطورات، يظل احتمال تنحي السيسي مع نهاية ولايته الحالية محل تفسيرات سياسية متباينة. إذ يصعب التوفيق بين الحديث عن مغادرة السلطة وممارسات تعكس استمرار السيطرة المحكمة على الحياة السياسية، وتقييد المجال العام، وطرح تصورات قد تضع حق المواطنين في اختيار من يحكمهم تحت وصاية مؤسسية.
وتعيد هذه المفارقة النقاش إلى نقطة البداية، حيث لا يمكن حسم الإجابة إلا في ضوء ما ستكشف عنه السنوات المقبلة: هل يغادر السيسي منصبه في عام 2030، أم تسهم هذه الإجراءات في تهيئة مناخ سياسي يسمح باستمرار ترتيبات الحكم الحالية، سواء عبر مسار دستوري جديد يتيح له البقاء في السلطة، أو من خلال نقل السلطة إلى شخصية أخرى تضمن استمرار النهج نفسه؟
https://www.noonpost.com/en/387025/amp/

